
لما مرات جوزي حملت، أهله كلهم شرفوا عندي في البيت.. لا جايين يتكلموا، ولا يعتذروا، ولا حتى يجبروا بخاطري بكلمة. قعدوا في الصالة، على الكنبة اللي أمي هي اللي شاريها، وبكل برود طلبوا مني أسيب البيت وأمشي. مصرختش.. ولا حاولت أثبتلهم قد إيه قلبي مكسور. أنا بس ابتسمت وقلت جملة واحدة، بعدها وشوش الستة اللي قاعدين اتخطـ,ـفت، وكأن النور قطع فجأة في المكان.
أنا وإبراهيم عشنا مع بعض خمس سنين. قبل الجواز كان يبان إنه الراجل اللي الواحد يكبر معاه وهو مطمن. كان بيجبلي الدواء وأنا تعبانة، ويستناني عند المترو لو اتأخرت. كان بيقول لأمي يا ست الكل بحنية تخليها تدخل المطبخ وتمسح دموعها بطرف طرحتها من الفرحة. كنت فاكرة إنه ابن حلال، مش مثالي بس بتاعي.
يوم الفرح أمي أهدتني البيت ده.. تلات أدوار، مش قصر، بس بيت سترة، دافي وفيه جنينة صغيرة وشجرة جوافة قديمة عند البوابة. أمي حوشت تمنه طول عمرها، كانت بتشيل من اللقمة وتشتغل شغلانتين وتيجي على نفسها، وفضلت تلبس نفس الطقم كذا شتا ورا بعض عشان توفر قرش. بس هي كتبت البيت باسمي أنا. وقتها مخدتش في بالي، هي قالتلي كلمة واحدة يا بنتي خلي ليكي سقف يداريكي، الست لازم يكون ليها حكاية ومكان مفيش مخلوق يقدر يطردها منه.
ضحكت وقتها وحضـ,ـنتها، وقلت لها يا ماما إبراهيم مش كدة. أمي بصت لي بصه طويلة ومردتش. بعد الجواز كنت بحاول أكون ست بيت شاطرة، بشتغل في بنك وبنزل من النجمة وبرجع والجو ليل، ساعات مبيبقاش فيا حيل غير إني أقلع الشوز وأحط براد الشاي على النار. حماتي، الحاجة سناء، مكنتش فاهمة ده. كانت شايفة إن الست لازم تستقبل جوزها بعشا سخن وبيت بيبرق وضحكة من الودن للودن، حتى لو كانت طول اليوم طالع عينيها مع الحسابات وقرف العملاء.
كانت تقوللي وهي بتعدل المفرش على سفرتي الشغل شغل يا بنتي، بس البيت هو اللي بيعمل قيمة للست. كنت بسكت، مش ضعف، بس عشان كنت مصدقة إن الهدوء بيحافظ على البيوت أكتر من المشاكل. لحد ما إبراهيم جه في يوم وشه ميتفسرش، كأنه واخد قراره وخلصان. مقعدش جنبي، ممسكش إيدي، وقف بعيد عند الشباك وقالها لي في وشي إحنا لازم نتكلم.. أنا عرفت واحدة تانية، وهي حامل. في اللحظة دي، مسمعتش كلامه، أنا سمعت صوت تكة الكاتل وهو بيفصل في المطبخ.
غريبة الست لما حياتها بتتهد، عقلها بيتشعبط في تفاهات كوباية على التربيزة، خيط مقطوع في هدومه، أي حاجة تانية غير الوجع. سألته سؤال واحد من إمتى؟ نزل عينه في الأرض.. وده كان الرد الكافي. بعد أسبوع، جولي كلهم.. إبراهيم، وأمه، وأبوه، وأخته وجوزها، وهي.. ريهام، البنت اللي حامل. لابسة عباية شيك، وحاطة إيدها على بطنها، وقاعدة بثقة كأنها خلاص ورثت البيت باللي فيه. حماتي بدأت الكلام يا نيرة، يا بنتي لازم ترضي بالواقع، العيل ملوش ذنب. إنتي مجبتيش عيال لإبراهيم، وهي شايلة حفيدنا. بلاش شوشرة، انفضوا السيرة دي بالمعروف وكل واحد يروح لحاله.
بصيت لها وفهمت فجأة.. هي مش فارق معاها وجعي ولا حتى العيل، هي عايزة الخلف والاسم، وعايزة ترسم رسمة البيت اللي على مزاجها. أخت إبراهيم كملت بنبرة حنينة مسمومة إنتي ست عاقلة، هتتمسكي بإيه؟ البيت واسع، وريهام بكرة تولد ومحتاجة مكان يلمها هي وابننا، وإنتي لسه صغيرة وألف مين يتمنيكي. كلمة ألف مين يتمنيكي دي وجعتني أكتر من الخـ,ـيانة نفسها. كأنهم شالوني من حياتي ورموني على الرصيف جنب كيس زبالة وسجادة قديمة. ريهام نزلت عينيها وقالت بصوت واطي أنا مكنتش عايزة أئذي حد، بس إحنا بنحب بعض، وعايزة ابني يتربى في بيت طبيعي.
إبراهيم كان ساكت، شابك صوابعه في بعض ومش قادر يرفع عينه في عيني. قمت وقفت.. حماتي اتشنجت، كانت فاكرة إني هصوت ولا هعمل فضيحة. أكيد كانوا محضرين نفسهم هيسكتوني إزاي، أو فاكرين إني هعيط وأتذلل وأفكرهم بالصور والوعود. بس أنا دخلت المطبخ بهدوء. شربت بؤ ميه. ورجعت الصالة. حطيت الكوباية على التربيزة جنب طبق الشاي بتاع أمي.. الطبق اللي فيه شرخ صغير من الحرف. وابتسمت.. بمنتهى البرود، من غير ذرة غل. لأني في اللحظة دي افتكرت نظرة أمي يوم ما سلمتني المفاتيح.
مكان مفيش مخلوق يقدر يطردك منه. بصيت للستة واحد واحد وقلت حقكم والله تخططوا مين هيعيش هنا ومين هيمشي.. بس قبل ما تكملوا، ممكن حد يفهمني إنتوا ليه فارضين إن البيت ده ملك إبراهيم أصلًا؟ السكوت اللي ساد الأوضة كان مرعب، لدرجة إني سمعت صوت عربية الجيران وهي بتحاول تدور في الشارع. إبراهيم رفع راسه مذهول.. حماتي وشها بقى أصفر زي الليمونة.. وريهام شالت إيدها من على بطنها وبصت لجوزي بصة واحدة كأنها لسه فاهمة دلوقتي إن الوعود اللي خدتها كانت فستك، وإنها كانت موعودة بسقف مش بتاعها.
بس الصدمة الحقيقية مكنتش هنا.. الصدمة كانت لما طلعت الدوسيه من المكتب، وإبراهيم شاف جواه ورقة تانية، ورقة حتى أمه مكنتش تعرف عنها حاجة. وإبراهيم مد إيده بتردد فتح الدوسيه، وقلب الورق بسرعة في الأول، كأنه مستعجل يلاقي حاجة ينقذ بيها الموقف لكن فجأة إيده وقفت. عينيه وسعت وبصلي. إيه ده؟ صوته كان مهزوز مش صوت الراجل اللي جه يطردني من بيتي من شوية. ابتسمت نفس الابتسامة الهادية وقلت كمل قراية يا إبراهيم دي أهم من عقد البيت نفسه.
حماتي قربت منه بسرعة، خطفت الورقة من إيده، وقعدت تقرا بصوت عالي وهي مش مستوعبة إقرار بعدم أحقية الزوج في الملكية أو الإقامة في حالة الزواج الثاني بدون علم وموافقة الزوجة الأولى سكتت فجأة. وشها اتشد وملامحها بقت حادة كأن حد سحب منها الأرض. أخته اتوترت يعني إيه الكلام ده؟! رديت بهدوء يعني باختصار أول ما إبراهيم قرر يتجوز من ورايا هو بنفسه مضى إنه يتنازل عن أي حق ليه في البيت ده لا ملكية ولا حتى إقامة.
إبراهيم هز راسه بعنف أنا مضيت على ورق كتير وقتها مكنتش واخد بالي! ضحكت ضحكة خفيفة، مش سخرية قد ما هي وجع متغلف بالظبط وإنت كنت فاكرني أنا كمان مش واخدة بالي من حاجة. ريهام قامت واقفة فجأة، ملامحها اتغيرت يعني إحنا ملناش مكان هنا؟! بصيت لها لأول مرة بثبات إنتي مالكيش ذنب في اختياراتي بس كمان مش من حقي أدفع تمن اختيارك. حماتي حاولت تلم الموضوع يا بنتي حرام عليكي ده ابننا قاطعتها بهدوء، بس المرة دي كان في حزم وأنا بنت أمي اللي عاشت عمرها كله عشان اللحظة دي.
سكتوا. المرة دي السكوت كان تقيل مفيهوش جدال ولا أوامر. إبراهيم بص حواليه للحيطة للكنبة للبيت اللي كان فاكر إنه ملكه وبعدين بصلي بنظرة فيها كسر عمره ما عرفه قبل كده إنتي كده بتنهى كل حاجة؟ قربت خطوة واحدة وقلت لا يا إبراهيم إنت اللي أنهيت من يوم ما قررت إن في واحدة تانية مكانها هنا. ريهام شدت إيده يلا نمشي وخرجوا. واحد ورا التاني من غير صوت. الباب اتقفل وراهم بصوت هادي جدًا بس حسيت كأنه قفل فصل كامل من حياتي.
قعدت على الكنبة نفس الكنبة اللي أمي اشترتها. بصيت حواليّ البيت كان فاضي بس أول مرة أحسه ليّا بجد. دموعي نزلت مش ضعف ارتياح. مسحتهم بسرعة وقمت. روحت عند شجرة الجوافة لمستها بإيدي وافتكرت أمي. همست كان عندك حق يا ماما وفجأة سمعت صوت موبايل إبراهيم بيرن كان ناسيه على الترابيزة. الشاشة بتنور اسم المتصل ظاهر مأذون الحي. وقتها قلبي دق بسرعة غريبة لأني فجأة فهمت إن في حاجة تانية لسه مخلصتش وإن اللي حصل يمكن يكون مجرد البداية بصيت للموبايل وهو بيرن
اسم مأذون الحي منوّر الشاشة كأنه بينادي على سر لسه متقالش. وقفت لحظة إيدي مترددة. أرد؟ ولا أسيبه؟ الرنة وقفت وبعدها على طول رسالة وصلت. فتحتها. يا أستاذ إبراهيم، العقد اللي اتكتب النهارده فيه مشكلة لازم حضرتك أو الزوجة تحضروا بكرة عشان نصححه، لأن الجوازة دي مش قانونية بالشكل الحالي. قلبي دق بقوة. مش قانونية؟! قعدت على الكرسي وانا بحاول أستوعب وبسرعة بدأت أربط كل حاجة ببعضها. إبراهيم متجوزني رسمي. والورقة اللي مضيها فيها شرط صريح.
ومفيش طلاق حصل. يعني ببساطة الجوازة التانية باطلة. رفعت عيني فجأة وابتسمت، بس المرة دي ابتسامة مختلفة فيها قوة. في اللحظة دي، الباب خبط. خبط سريع متوتر. قمت وفتحت. إبراهيم. واقف قدامي وشه باين عليه القلق لأول مرة بجد. موبايلي هنا؟ بصيت له شوية وبعدين اديته له من غير كلام. مسكه بسرعة، وفتح الرسالة وشه اتغير قدامي. إنتي قريتي؟ هزيت راسي آه. سكت وبعدين قال بصوت واطي أنا مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده. بصيت له بثبات ولا أنا كنت أعرف إنك هتوصل لكده.
مرر إيده في شعره بتوتر لازم تيجي معايا بكرة للمأذون عشان نحل الموضوع. ضحكت ضحكة قصيرة نحل إيه يا إبراهيم؟ قرب خطوة عشان أطلقك رسمي الكلمة دي كان المفروض توجعني بس الغريب؟ محستش بحاجة. بالعكس حسيت إني سبقتك بخطوة. قلت بهدوء إحنا أصلًا في حكم المنفصلين من يوم ما خنت بس ماشي، نروح. تاني يوم قعدنا قدام المأذون. الجو كان تقيل وريهام قاعدة بعيد، وشها شاحب، باين عليها بدأت تفهم إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
المأذون بص في الورق وقال حضرتك يا أستاذ إبراهيم، الجوازة التانية دي ما تنفعش تتم إلا بعد إنهاء الأولى رسمي وكمان في شرط هنا موقع عليه ورفع الورقة وبص له إن الزوجة ليها الحق تطلب الطلاق وتحصل على كامل حقوقها بدون نزاع وكمان في بند تعويض. إبراهيم بصلي بصدمة تعويض؟! ابتسمت آه تعويض عن الضرر. المأذون كمل والمبلغ مش بسيط. الصمت ملأ المكان. ريهام بصت له بحدة يعني إيه الكلام ده؟! إبراهيم كان تايه أول مرة أشوفه كده.
بصلي وقال إنتي ناوية تعملي إيه؟ قربت منه شوية وقلت بهدوء شديد ولا حاجة هاخد حقي بس. وبصيت للمأذون كمل الإجراءات. بعد ساعات خرجت من عنده وأنا رسميًا مش مراته. لكن كنت ماسكة في إيدي شيك بمبلغ عمره ما كان يتخيل يدفعه. وكانت دي اللحظة اللي فهم فيها إن الخـ,ـيانة مش بس بتكسر القلب. دي كمان بتكلف كتير. رجعت بيتي قفلت الباب وبصيت لنفسي في المراية. نفس الوش بس إنسانة تانية. وفجأة الموبايل رن. رقم غريب.
رديت صوت ست كبيرة في السن قالت إنتي نيرة؟ أنا والدة ريهام وعايزة أقابلك في موضوع مهم جدًا يخص البنت والطفل سكتت لحظة وبعدين قالت جملة خلت الدم يجمد في عروقي لازم تعرفي الحقيقة قبل ما تقرري تاخدي الفلوس دي وقتها حسيت إن القصة لسه مخلصتش وإن اللي جاي ممكن يقلب كل حاجة من أول وجديد سكتُّ لحظة بعد المكالمة إيدي كانت بتترعش رغم إني كنت من شوية واقفة قدامهم بكل الثبات ده. الحقيقة؟! الكلمة دي فضلت تلف في دماغي وأنا ببص للشيك اللي في إيدي كأنه فجأة بقى تقيل.
تاني يوم روحت أقابلها. قعدنا في كافيه هادي على أطراف البلد ست كبيرة، ملامحها مرهقة، وعينيها شايلة هم سنين. أول ما شافتني قالت من غير مقدمات أنا مش جاية أرجّعك له ولا أدافع عن اللي عمله أنا جاية أنقذ بنتي. ضيقت عيني تنقذيها من إيه؟ خدت نفس طويل وقالت من كذبة كبيرة إحنا الاتنين وقعنا فيها. قلبي بدأ يدق أسرع. قصدك إيه؟ بصت في عيني مباشرة ريهام مش حامل من جوزك.
