كنت دايمًا شايف إن “ياسين” ابني طالع لعمامه، بارد، طموحه محدود، وآخره “هواية” مالهاش لازمة في ورشة النجارة اللي سابها له جده. أنا كنت “المهندس فؤاد”، اللي بنى بدل الشركة تلاتة، واللي قرر من سنين إن الحياة دي مش شبهه، وسيبتله البيت والورشة وأمه، وروحت أبني مملكتي مع “نيرة”.. الست اللي بتعرف تلبس براندات، وتتكلم لغات، وتعرف يعني إيه “بيزنس”.
مرت 10 سنين، كنت فيهم زي القطر، ماببصش ورايا. ابني كان بالنسبة لي مجرد “رقم” ببعتهوله في البنك كل شهر، وكنت بقول لنفسي: “أنا كدة عملت اللي عليا وزيادة، بكره لما يكبر هيعرف قيمة الفلوس”.
في يوم، “نيرة” صممت إننا نغير عفش المكتب كله، وقالت لي بزهو:
“يا فؤاد، فيه جاليري جديد فاتح في الزمالك، بيعمل قطع أثاث ‘Handmade’ تحفة، القطعة الواحدة فيه لوحة فنية، والناس الـ ‘Class’ كلهم بقوا يجهزوا من عنده.”
دخلنا الجاليري.. المكان كان ريحته “بخور” مختلط بريحة “خشب أرو” غالية. نيرة كانت بتتحرك وسط القطع كأنها في متحف، وأنا كنت ماشي وراها بنفخ دخان سيجاري، وببص للسعر اللي على التربيزة اللي قدامي.. الرقم كان يخض، بس ابتسمت بغرور، أنا أقدر أشتري الجاليري كله.
نيرة شاورت لمن من بعيد بصوت عالي:
“يا كابتن! لو سمحت..
التربيزة دي فيها خدش بسيط في الزاوية، إزاي بياع شاطر يسيب حاجة كدة؟ تعالي شوفلي حل، أنا مش هدفع الآلاف دي في حاجة ناقصة.”
من ورا بارتشن خشبي كبير، خرج شاب.. لابس مريلة جلد تقيلة، إيده متغطية بنشارة الخشب، ووشه فيه “عفارة” الشغل.
ياسين!
الزمن
وقف بيا.. السيجارة وقعت من إيدي على السجادة الحرير ومحستش. ابني اللي سيبته طفل، واقف قدامي راجل، كتافه عريضة من شيل الخشب، وعينيه فيها نظرة “هدوء” غريبة.. نفس الهدوء اللي كنت بهرب منه زمان وبسميه “فشل”.
ياسين بص لي، ثانية واحدة بس، لا سلم ولا اتفاجئ، كأنه كان عارف إن اللحظة دي جاية. بص لنيرة وبنبرة صوت ثابتة ورخيمة قال:
“ده مش خدش يا فندم، دي ‘ثمرة’ الخشب الطبيعي، هي دي اللي بتدي للقطعة روح. بس لو مش عاجباكي، نقدر نغيرها.”
نيرة بصت له بقرف، وطلعت منديل مبلل ومسحت طرف التربيزة وقالت بسخرية:
“روح إيه وبتاع إيه! إنتوا شكلكم بتغشوا الخشب وبتسموه روح عشان تغلوا السعر.. وبعدين إيه الريحة دي؟ إنت غرقان في ريحة ‘الغراء’ والتراب.. يا فؤاد، شايف الأشكال اللي بتتعامل معاها؟”
ياسين ماردش عليها، فضل باصص لي أنا. شفت في إيده “جرح” قديم باين إنه من أثر منشار، وضوافره اللي دخل فيها سواد “الصبغة” ومابتطلعش.. إيد شقيانة عشان يبني اسم لنفسه بعيد عن شيكات والده.
نيرة كملت وهي بتمسك ذراعي بغنج مستفز:
“بقولك إيه يا شاطر، نضف إيدك دي كويس قبل ما تلمس العفش بتاعنا، مش ناقصين بكتيريا وقرف.. إحنا هندفع مبلغ وقدره، يعني عايزة خدمة ‘VIP’ مش صبي نجار يكلمني عن الروح!”
ياسين ابتسم ابتسامة وجعتني أكتر من أي شتيمة، وطلع “كارت” من جيب مريلته وحطه على التربيزة قدامها.. أو بالأصح قدامي أنا.. وقال بهدوء قاتل:
“الجاليري ده ملكي يا فندم، وأنا اللي صانع القطع دي بإيدي.. والريحة اللي مش عاجبة حضرتك دي ريحة ‘تعب’
، أغلى بكتير من ريحة البرفان اللي إنتي لابساه.”
وبعدين بص لي وقال بكلمة واحدة هزت كياني:
“منور يا هندسة.. الحساب واصل، اعتبري التربيزة دي ‘هدية’ من المحل،
ياسين سابنا ودخل ورشته تاني، وصوت المنشار اشتغل.. صوت كان بيقطع في قلبي أنا، وأنا واقف وسط العفش الغالي، حاسس إني أصغر بكتير من إني أكون أب للراجل ده
خرجت من الجاليري وأنا حاسس إن رجلي مش شاياني. “نيرة” كانت لسه بتبرطم جنبي، كلامها عن “قلة الذوق” و”المعاملة الـ VIP” كان بيخبط في ودني زي المسامير، بس المرة دي المسامير كانت بتدق في نعشي أنا.
ركبنا العربية، “نيرة” رصت الشنط في الكنبة اللي ورا، وبصت لي باستنكار:
“مالك يا فؤاد؟ إنت هتصدق الكلمتين اللي الشاب ده قالهم؟ تلاقيه بس حب يعمل نمرة عشان يغلي السعر.. وبعدين إيه ‘منور يا هندسة’ دي؟ هو إنت تعرفه فعلاً؟”
دورت العربية وإيدي كانت بتترعش على الدريكسيون. بصيت لها نظرة خلتها تسكت لأول مرة من ساعة ما اتجوزنا. نظرة واحد لسه فايق من غيبوبة 10 سنين على خبطة قلم فوقته.
“ده ابني يا نيرة..”
الكلمة طلعت مكتومة، كأنها طالعة من تحت أنقاض. نيرة فتحت بؤها وشهقت، بس أنا مديتهاش فرصة تنطق. مشيت بالعربية بأقصى سرعة، مش هرباً من المكان، هرباً من نفسي.
طول الطريق، وصورة “ياسين” وهو ماسك المنشار مش مفارقة عيني. افتكرت لما كان عنده 7 سنين، وكان بيجري ورايا بقطعة خشب صغيرة ويقولي: “بص يا بابا عملت لك مركب”. يومها زعقت فيه وقولتله: “سيب الهبل ده وروح ذاكر عشان تبقى مهندس كبير زيي.. مش عايزك تطلع
نجار زي جدك”.
أتاري ياسين مطلعش “زي جده”.. ياسين طلع “أحسن مني”. هو بنى مملكة من النشارة والعرق، وأنا بنيت مملكة من الورق والبرستيج الكداب.
وصلنا البيت، نيرة نزلت وهي بتحاول تلطف الجو:
“خلاص يا بيبي، ما كنتش أعرف.. بس برضه هو غلطان، إزاي يكلمك كدة قدام الناس؟ ده مهما كان إنت والده..”
وقفت قدام باب الفيلا الفخم، وبصيت للحيطان الرخام اللي صرفت عليها دم قلبي عشان تبهر الناس. فجأة، حسيت إنها مجرد “علبة” فاضية.
“هو مكلمنيش يا نيرة.. هو رماني برا حياته. الحساب واصل.. عارفة يعني إيه؟ يعني ماليش عنده حتى حق العتاب.”
دخلت مكتبي، فتحت الدرج وطلعت “دفتر الشيكات” اللي كنت ببعت منه كل شهر. بصيت للأرقام المكتوبة.. 5 آلاف، 10 آلاف.. حسيت إن الورق ده بقى ملوش قيمة، زي ورق الكوتشينة. ياسين مكنش محتاج الفلوس، كان محتاج “الأب” اللي سخر من حلمه.
فتحت الموبايل، ودخلت على صفحة الجاليري اللي نيرة ورتهالي. قعدت أتفرج على صور الشغل.. كل قطعة كانت محفورة بدقة، كل زاوية فيها “روح” فعلاً. وفي آخر الصفحة، كانت فيه صورة لياسين وهو لابس نفس المريلة الجلد، وكاتب تحتها:
“الخشب مابيكدبش.. لو أخلصت له، بيديك عمره كله.”
دمعة نزلت غصب عني، لمست شاشة الموبايل عند صورته.. كنت عايز أقوله “أنا آسف”، بس خفت ريحة البرفان الغالي اللي في إيدي تخنق ريحة “التعب” اللي في صوره.
قررت إني لازم أرجع.. مش عشان أشتري تربيزة، ولا عشان أفرض نفسي عليه. هرجع عشان أقف قدام ورشته، وأشم ريحة “الغراء” والتراب، يمكن ريحتهم تطهرني من
ريحة الزيف اللي عشت فيه سنين.
في يوم، مابقتش قادر أسكت أكتر من كدة. سعاد كانت بتلم الأطباق، وياسين صوته مالي المكان وهو شغال بالمنشار جوه. قربت منها وصوتي بيترعش:
“سعاد.. أنا عارف إن رجوعي متأخر أوي، وعارف إن الـ 10 سنين اللي فاتوا مابيمتسمحوش بكلمة.. بس أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع بيت واحد تاني. الفيلا دي هبيعها، وهنبدأ هنا.. في بيتنا الأصلي اللي سيبته.”
سعاد وقفت مكانها، مالتفتتش ليا. فضلت باصة للفراغ ثواني، وبعدين لفت ببطء. مكنش فيه دموع، كان فيه “قوة” غريبة مكنتش أعرف إنها عندها.
قالت بصوت رزين وثابت:
“إنت مابقتش غريب يا فؤاد، وإنت فعلاً بدأت ترجع لنفسك.. وده حاجة مفرحاني عشانك، وعشان ياسين اللي بقيت شايف في عينيه فخر بيك لأول مرة.”
حاولت ألمس إيدها، بس سحبتها براحة وهي بتكمل:
“بس البيت اللي بتدور عليه مبقاش موجود.. إنت سيبت ‘سعاد’ اللي كانت مستنياك ورا الباب، والست اللي واقفة قدامك دلوقتي هي اللي بنتها السنين والوحدة والشقا. الست دي مش محتاجة ‘راجل’ يكملها، هي اكتفت بنفسها وبالراجل اللي ربته وبقى سندها.”
قطعت كلامها وأنا بترجاها: “أنا اتغيرت يا سعاد.. والله العظيم اتغيرت.”
ابتسمت بوجع وقالت:
“عارفة يا فؤاد..
وعشان كدة مش عايزة أظلم التغيير ده. إحنا خلاص بقينا ضفتين، والنيل جرى مابيننا سنين طويلة أوي. ياسين هو الحبل اللي بيربطنا، وهيفضل كدة، لكن أنا وأنت.
. حكايتنا خلصت يوم ما قفلت الباب وراك وقررت إننا مش من مقامك. مش حقد والله، ولا انتقام.. بس الحب اللي كان، أنا خلصته كله وأنا بربي ابنك عشان ميطلعش قاسي زيك.”
حطت إيدها على كتفي كأنها بتصبر صبي عندها في الورشة:
“خليك هنا يا فؤاد.. خليك جنب ابنك، اتعلم منه إزاي يكون للحاجة ‘روح’، وإزاي يكون للكلمة أصل. ده المكان الوحيد اللي ليك فيه حق.. أما قلبي، فخلاص، قفلت ورشته وسلمت مفاتيحها لربنا ولراحة البال.”
سابتني ومشت.. خطواتها كانت خفيفة، واثقة، ومابتتهزش. بصيت لياسين اللي كان مراقبنا من بعيد. قرب مني، طبطب على كتفي، وناولني “الفارة” وقالي بهدوء:
“شد حيلك يا هندسة.. عندنا تسليم أوردر مهم قبل الليل.”
في اللحظة دي فهمت.. إنني رجعت “ابني”، ورجعت “نفسي”، بس خسرت “الست” اللي كانت هي الروح الحقيقية اللي ساندة كل الخشب ده.
قعدت على الأرض، وسط النشارة والتراب، وبدأت أشتغل.. كنت بنحت الخشب بدموعي، وأنا عارف إني هعيش بقية عمري في الورشة دي، بعمل عفش لبيوت الناس، وعارف إن بيتي أنا.. هيفضل ناقصه “الروح” اللي لا بتتباع ولا بتتشري بمال الدنيا كله.
مرت سنة كاملة.. سنة ماخرجتش فيها من المنطقة، كأنني بحاول “أتحبس” جوه الحقيقة عشان أنسى الزيف اللي عشته.
الورشة بقت هي “العالم”. بقيت أصحى مع أذان الفجر، أفتح الأبواب الحديد، وأرش ميه قدام الورشة وأنا بستنى لمحة
من “سعاد” وهي بتفتح شيش البلكونة. كانت بتبص على الشارع بصه سريعة، وساعات عيني تيجي في عينها، فتهز راسها بوقار وترجع تقفل الشيش.. حركة بسيطة بس كانت هي “الوقود” اللي بيمشيني طول اليوم.
في ليلة، الدنيا كانت بتمطر مطر خفيف، وياسين كان سافر يورد شغل في الساحل. كنت قاعد لوحدي في الورشة، شغال على “برواز” خشب أرو، كنت ناويه هدية لسعاد في عيد ميلادها.. كنت بحفر عليه “وردة بلدي” زي اللي كانت بتزرعها في بلكونتنا زمان.
سمعت صوت خطوات هادية ورايا.. ريحة القرفة والبخور سبقتها.
لفيت بلهفة، لقيتها واقفة بـ “شالها” الأسود، وماسكة في إيدها كوباية شاي سخنة.
“ياسين كلمني وقالي إنه هيتأخر.. قولت زمانك سقعان في البرد ده.”
خدت منها الكوباية وإيدي لمست صوابعها لثانية.. سحبت إيدها بسرعة، بس المرة دي مكنتش “قاسية”، كانت “حزينة”.
بصت للبرواز اللي في إيدي، وقالت بابتسامة باهتة:
“لسه فاكر الورد البلدي يا فؤاد؟”
رديت بكسرة: “أنا نسيت نفسي يا سعاد، بس مانسيتش ولا تفصيلة عشتها معاكي.. الوردة دي هي الحاجة الوحيدة الحقيقية اللي عملتها في حياتي.”
سعاد بصت للورشة، للمريلة اللي غرقانة تراب، ولإيدي اللي بقت شبه إيدين العمال.. وقالت كلمة خلت قلبي يتنفض:
“إنت بقيت شبهنا أوي.. ريحتك بقت ‘خشب’.. مابقتش ريحة غريب.”
قربت منها خطوة: “طب والروح يا سعاد؟ الروح اللي قولتي
إنها مشيت؟”
سكتت شوية، وعينها لمعت بدموع دارتها بسرعة:
“الروح مابترجعش يا فؤاد.. الروح ‘بتتخلق’ من جديد. بس اللي بينا دلوقتي مش حب.. اللي بينا ‘عشرة’ وأصل.. وإنت يا ابن الناس صونت الأصل لما رجعت لورشة أبوك.”
طلعت من جيبها “مفتاح” قديم، مربوط بشريطة قماش، وحطته على البنك وسط النشارة.
“ده مفتاح أوضة الضيوف اللي فوق.. الجو برد، ومبقاش يصح تقعد في لوكاندة وياسين مش هنا. الورشة بيتك، والبيت بيتك.. بس كل واحد فينا ليه ‘دنيته’ يا فؤاد. افطر معانا، واتغدى معانا، وكون الأب اللي ياسين محتاجه.. بس سيبني أعيش اللي فاضل من عمري في هدوئي اللي بنيته.”
سعاد سابت المفتاح ومشت، وأنا فضلت واقف مكاني. بصيت للمفتاح، وبصيت للبرواز اللي لسه ماخلصش.
عرفت إنها مش هترجع “حبيبتي”، ولا “مراتي” بالمعنى القديم.. بس هي ادتني “الأمان”.
مسكت “الأزميل” وكملت حفر في الوردة.. كنت بضحك وبدمع في نفس الوقت.
أنا خسرت “نيرة” وفيلاتها، وخسرت قلب “سعاد” اللي كان ملكي زمان.. بس كسبت “غفرانها”.
ومع كل دقة شاكوش، كنت بحس إن “فؤاد المهندس” مات فعلاً، ومكانوش “فؤاد النجار”.. الراجل اللي لقى نفسه وسط الخشب، وعاش اللي فاضل من عمره “صبي” في مدرسة الست اللي مكسرتوش، لكنها علمته يعني إيه “أصل”.
طلعت وقفت قدام باب الورشة، شميت ريحة المطر مع الخشب، وبصيت للسما.. كنت وحيد، بس لأول مرة
من عشر سنين.. مكنتش “خايف”.