عينها وقعت على الدولاب المركون في الزاوية. “الدولاب ده، حد عايزه؟” محدش رد. مرات أخويا ضحكت: “يا طنط ده كراكيب، ده يخلي شكل الشقة وحش أوي.” أختي قالت: “بيتي ملهوش مكان لحاجة بالحجم ده.” أمي بصت لي: “يا وائل، أنت محتاج دولاب في شقتك الإيجار؟” بصيت للدولاب الأحمر المقشر ده.. ده اللي أبويا كان بيشيل فيه لبسه، ومفكّاته، والجرايد اللي مخلصش قرايتها. قلت: “ماشي.. هاخده.” مرات أخويا انفجرت في الضحك: “بقى طالع من ورث أبوك بدولاب مكسر؟”
بصت لي بتريقة: “بس لايق عليك، أنت عايش لوحدك وده يقضي غرضك.” عمي الكبير كرمش وشه وكان هيتكلم، بس أمي قطعت عليه: “خلاص، اتفقنا. إحنا أهل، ومحدش يحاسب التاني.” ”محدش يحاسب التاني”.. مليون جنيه اتوزعوا يمين وشمال، وأنا نصيبي خشب قديم. قمت وقفت ورحت للدولاب. وطيت وشيلت قالبي الطوب اللي ساندينه. الدولاب مال شوية، فسنته بكتفي. قلت: “أنا هنقله دلوقتي.” محدش قام يساعدني. عمي الصغير صعبت عليه نفسه وقام مسك معايا طرف الدولاب لغاية ما نزلناه للعربية النص نقل اللي طلبتها.
وأنا بنزله، كان أخويا قاعد بيشرب شاي بالياسمين. ومراته بتقلب في الفيسبوك. وأختي وجوزها مشيوا قبل حتى ما أنزل أول دور. أمي كانت واقفة في البلكونة بتبص عليا وأنا بربط الدولاب في العربية. رفعت عيني وبصيت لها بصه واحدة. راحت لافه وشها ودخلت جوه الشقة. وقتها بصيت للدولاب بحسره كان اخر حاجه باقيه من ريحة ابويا واللي جواه كان اخر شئ ممكن اتوقعه……
وصلت للعمارة اللي ساكن فيها في الإيجار، كان الليل ليل، والدنيا هسس. السواق ساعدني بالعافية ننزل الدولاب في مدخل العمارة ومشي. وقفت قدامه لوحدي، الدولاب ده اللي كان ريحته “نفالين” وورق قديم، كان شكله حزين أوي تحت نور لمبة المدخل الضعيفة. طلعت شقتي، وجبت “عتلة” حديد صغيرة ومفك، وبدأت أفك المسامير عشان أطلعه حتت، لأن السلم ضيق ومستحيل يطلع سليم. وأنا بفك الظهر الخشب، سمعت صوت “خروشة” معدن وورق، حاجة تقيلة وقعت جوه الفراغ اللي بين الظهر وبين الدرج السحري اللي كان أبويا دايماً يقفله بقفل قديم.
قلبي دق بسرعة.. مش طمع، بس كان عندي إحساس إن أبويا سابلي رسالة. فكيت الظهر خالص، ووقعت قدامي شنطة جلد سوداء، من اللي كان أبويا بيشيل فيها أوراقه المهمة زمان. فتحتها وإيدي بتترعش. **جوه الشنطة لقيت الآتي:** * **مظروف كبير مغلق:** مكتوب عليه بخط إيد أبويا الواضح: “إلى ابني وائل.. السند اللي ملمش”. * **عقد بيع نهائي:** الشقة اللي أخويا خدها؟ أتاري أبويا كان بايعها لي “بيع وشراء” من سنتين، والعقد متسجل في الشهر العقاري، بس قايل لي في ورقة صغيرة “ماتطلعهوش غير لو جاروا عليك”.
* **دفتر توفير باسمي:** فيه مبلغ 200 ألف جنيه، أودعهم أبويا قبل دخوله المستشفى بشهر واحد، كأنه كان حاسس إن في “حسبة” تانية هتتفتح. * **مفتاح غريب:** مربوط فيه ورقة مكتوب عليها “رقم الخزنة في البنك”. فتحت المظروف الكبير، لقيت رسالة طويلة، أولها جملة وجعت قلبي: > “يا وائل يا ابني.. أنا كنت شايف وعارف مين اللي بيحبني ومين اللي مستني مــ,,ـــــوتي. كنت بمسك إيدك في المستشفى عشان أقولك إن حقك محفوظ، بس النفس كان قصير. أنا سبت لهم اللي عيونهم فيه، وسبت لك أنت اللي عيني فيه.. شقاي الحقيقي. الدولاب ده مش خشب، ده كان أمانتي ليك.”
> في اللحظة دي، تليفوني رن. كان “محمد” أخويا. رديت بصوت مخنوق: “عايز إيه يا محمد؟” قالي ببرود: “بقولك يا وائل، الشقة اللي أنا خدتها، اكتشفت إن فيها تسريب مياه من المنور ومحتاجة مصاريف كتير، وأنا لسه دافع مصاريف السفر، ابعت لي الـ 47 ألف بتوع العزا اللي كنت كاتبهم في النوتة، اعتبرهم سلف عشان أصلح الشقة، وأمي قالت لي إنك مش هتمانع.”
ضحكت ضحكة قهر، وبصيت لعقد الشقة اللي في إيدي، وللشنطة اللي غيرت كل الموازين. قلت له: “يا محمد، الدولاب اللي مراتك ضحكت عليه، طلع فيه حاجات أغلى من الشقة والعربية.. وبكرة الصبح، الكل هيعرف مين اللي ‘شال الليلة’ بجد.” قفل السكة وهو مش فاهم حاجة، وأنا قعدت على الأرض، حــ,,ـــــضنت هدوم أبويا اللي كانت جوه الدولاب، وبكيت لأول مرة من يوم وفـ,ـاته.. بكيت لأن أبويا كان حاسس بيا وأنا نايم على كراسي المستشفى.
نمت ليلتها وأنا حاضن الشنطة الجلد، وكأن صدى صوت أبويا في الرسالة كان بيطبطب على كتفي. الصبح طلع، وقبل ما أروح البنك أو الشهر العقاري، لقيت الباب بيخبط خبط جنوني. فتحت، لقيت محمد ومنى واقفين، ووشوشهم مقلوبة. محمد دخل الصالة من غير سلام وهو بيزعق: “بقولك إيه يا وائل، أمي كلمتني الصبح وقالت لي إنها مش لاقية عقد الشقة الأخضر، النسخة الأصلية كانت في العلبة الصفيح واختفت، وأختك بتقول إنها شافت معاك شنطة وأنت نازل بالدولاب.. الشنطة فين؟”
بصيت لهم بهدوء غريب، هدوء حد مابقاش باقي على حاجة. قلت له: “الشنطة هنا يا محمد، والورق هنا، بس اللي أنتم بتدوروا عليه مابقاش ملككم.” منى صرخت: “يعني إيه؟ أنت هتسـ,ـرقنا يا وائل؟ هي حصلت؟ بقى إحنا اللي سيبنالك الميراث كله وبنقول أخونا غلبان، تطلع أنت اللي واكل حقنا؟” طلعت عقد البيع المتسجل، وحطيته على الترابيزة قدامهم: “ده عقد بيع وشراء، بتاريخ من سنتين. أبويا باع لي الشقة دي رسمي، وقبــ,,ـــــض تمنها كمان من فلوس شغلي في الغربة اللي كنت ببعتهاله يشيلها لي. يعني الشقة اللي أنت كنت عايز تبيعها الصبح للسمسار يا محمد، دي بيتي أنا.”
محمد وشه بقى ألوان، مسك الورقة بيقرأها وإيده بتترعش، ومنى عينيها زغللت لما شافت الختم النسر. محمد صرخ: “ده تزوير! أبويا مايعملش كده! أنت استغليت تعبه في الآخر ومضيتّه!” رديت عليه بحدة: “أبويا مضى العقد ده وهو بكامل قواه العقلية، وقبل ما يدخل المستشفى بشهور. مضاه لما لقاك مابتسألش عنه غير لما يعوز يجدد العربية، ومضاه لما لقى منى مابتجيش غير عشان تاخد فلوس الكسوة. ومضى كمان تنازل عن نصيب الأسهم في الشركة اللي كان شريك فيها، وسبق وسجله باسمي.”
منى بدأت تعيط بتمثيل: “يا ويلي.. يعني إحنا نطلع من المولد بلا حمص؟ وأمي؟ أمي اللي قعدت تقسم وتدينا، كانت بتوزع الهوا؟” في اللحظة دي، دخلت أمنا الشقة. كانت سمعت كل حاجة وهي طالعة وراهم. بصيت لها وكنت مستني منها تنصفني، أو على الأقل تسكت. لكنها بصت لي بحقد وقالت: “بقى كده يا وائل؟ تضحك على أبوك وهو بيمــ,,ـــــوت وتخليه يمضيلك؟ عايز تشرّد أخواتك؟ العقد ده يتقطع دلوقتي، والورث يرجع يتقسم تاني بالحق، وإلا لا أنت ابني ولا أعرفك.”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. “لا أنت ابني ولا أعرفك؟” عشان بحافظ على حقي اللي أبويا أمنّي عليه؟ بصيت للدولاب المكسر اللي ورايا، وطلعت منه المفتاح بتاع الخزنة، وقلت لهم: “أنا كنت ناوي أقسم معاكم اللي في الخزنة بالعدل، رغم إنه من حقي لوحدي وصية. لكن بعد اللي سمعته، الشقة دي هتتفرش وهتجوز فيها، والورق ده هيروح للمحامي النهاردة. أما أنتم.. فخليكم في العربية والدفاتر اللي أمي ادتهالكم، واعرفوا إن اللي بيبيع أبوه في المستشفى، ملوش مكان في بيته وهو ميت.”
طردتهم كلهم، وقفلت الباب ورايا. قعدت على الأرض وأنا بفتكر بصه أبويا الأخيرة.. كان عايز يقولي “اِجمد”. بس الحكاية لسه مخلصتش، لأن محمد وهو خارج قالي كلمة واحدة: “والله ما هسيبك تتهنى بمليم، والمحاكم بينا يا وائل.” أنا دلوقتي معايا مفتاح الخزنة، ومعايا تهديد بال. من أخويا، وأمي باعتني في لحظة.. والسر اللي جوه الخزنة في البنك، هو اللي هيحدد اللعبة الجاية هترسى على فين. نزلت من البيت والدموع في عيني، مش من الخوف، لكن من الصدمة في أمي. ركبت أول تاكسي وطلعت على البنك. كنت ماسك مفتاح الخزنة في جيبي وكأني ماسك جمرة نــ,,ـــــار.
دخلت البنك، وبعد إجراءات وتوقيعات ومطابقة توقيع أبويا، الموظف خدني ونزلنا لمكان الخزنات تحت الأرض. فتح الموظف القفل بتاعه، وسابني مع القفل بتاعي. حطيت المفتاح، لفيته، وفتحت الباب الحديد الصغير. جوه الخزنة، ملقيتش رزم فلوس زي ما كنت متخيل.. لقيت صندوق خشبي صغير مطعم بالصدف، وجنبه ظرف جلد بني تقيل. فتحت الظرف الأول، وكان فيه الصدمة اللي مكنتش على البال. **لقيت “عقد ملكية” لقطعة أرض كبيرة في التجمع:** أبويا كان شاريها من السبعينات لما كانت رخيصة، ودلوقتي تساوي ملايين الملايين. بس الغريب إن الأرض مكنتش باسمي ولا باسمه.. كانت باسم “شركة مساهمة” هو مؤسسها، والأسهم متوزعة بطريقة غريبة جداً.
**فتحت الصندوق الصدفي، ولقيت ورقة مطوية:** كانت وصية تانية خالص، بس المرة دي موجهة لي ولأخواتي مع بعض. مكتوب فيها: > “يا أولادي، الأرض دي هي شقى عمري الحقيقي. بس الأرض دي مش هتتباع ولا تتقسم غير بشرط واحد: إنكم تفتحوا مشروع مشترك عليها، وتديروه سوا لمدة تلات سنين. لو اتفقتوا، الأرض تبقى ملككم بالتساوي. لو اختلفتوا أو حد فيكم حاول يغدر بالتاني، الأرض كلها تروح لدار أيتام (….)، ووائل هو الوصي على تنفيذ الشرط ده.”
>

