منوعات

كدبة دمـ . ـرت حياتى على ابو الدهب

​لما تمت 19 سنة، بدأت بجد. دخلت كلية تقنية واكتشفت إني شاطر جداً في ميكانيكا العربيات. الآلات كانت مريحة بالنسبة لي؛ مابتكذبش ولا بتلف وتدور.. يا بتشتغل يا مابتشتغلش ​كملت دراستي واتخرجت بامتياز وأنا بشتغل في ورشة صغيرة بتاعة راجل ميكانيكي عجوز اسمه “عم فوزي”. الرجل ده بقى هو كل عيلتي؛ عمره ما سألني عن ماضيّ، كان كل اللي يهمه أنا هبقى إيه في المـ . ـستقبل.
​وفي الوقت ده، كذبة “مريم” كانت لسه مدفونة ومحدش يعرف عنها حاجة. وأنا عمري ما فكرت أدور على أهلي، كنت بخاف أفتح جروح قديمة. بالنسبة لي، هما اختاروا طريقهم..

وأنا اتعلمت أعيش من غيرهم. ​لما وصلت لسن الـ 25، بقى عندي ورشتي الخاصة. اشتريت بيت صغير، وجبت كلـ . ـب “جيرمن شيبرد” سميته “صخر”، وحاولت أقنع نفسي إني نسيت وبدأت صفحة جديدة. ​بس فيه وجع مابيروحش.. كنت بخاف أدخل في أي عـ . ـلاقة. الثقة بالنسبة لي كانت عاملة زي المشي على إزاز مكسور. ​كل حاجة اتغيرت وأنا عندي 27 سنة. ​في يوم الصبح، جالي جواب من غير اسم الراسل. فتحته ولقيت ورقة واحدة مكتوب فيها:

​”نوح، أنا آسفة جداً.. الحقيقة أخيراً بانت. أرجوك اديني فرصة نشرح لك اللي حصل. — ماما” ​فضلت قاعد أكتر من ساعة، وصخر (الكلـ . ـب بتاعي) ساند راسه على رجلي، وأنا عيني مش مكسورة من على الكلمتين دول. خطها كنت عارفه كويس ومش ممكن أغلط فيه. ​كل الذكريات هجمت عليا في لحظة؛ صوتها، حـ . ـضنها.. واللحظة اللي اختارت فيها إنها مـ . ـاتصدقنيش. ​فيه حاجة كبيرة حصلت وغيرت كل حاجة.. بس أنا مكنتش عارف هي إيه.

بعد الجواب بكام يوم، لقيتهم فجأة قدام بيتي. أبويا وأمي وأخويا ومريم.. كلهم واقفين، وشوشهم دبلانة وعينيهم مليانة دموع. أول ما شوفتهم، قلبي دق بسرعة، بس مش شوق.. كان وجع وخيبة أمل. ​مريم كانت واقفة وراهم، مكسورة وبتبص في الأرض. أمي قربت من الباب وهي بتعيط ومنهارة: “يا نوح.. افتح يا ابني.. إحنا ظلـ . ـمناك، مريم اعترفت بكل حاجة!” ​الحقيقة المرة:

مريم اتجوزت وطلقت، ولما ضميرها أنبها – أو يمكن لما حياتها باظت – اعترفت إنها وقتها كانت ماشية مع شاب من وراهم، ولما عرفت إنها حامل خافت من أبويا، وملقتش كبش فدا غيري “نوح” الطيب اللي بيساعدها دايماً.. عشان عارفة إنهم هيصدقوها هي. ​أبويا حاول يتكلم وصوته مخنوق: “يا ابني، أنا مابنمش الليل.. حقك عليا، أنا اللي مديت إيدي عليك وظلـ . ـمتك. إحنا جينا عشان نصلح كل حاجة ونرجعك وسطنا.”

​وقفت ورا الباب، مكنتش قادر حتى ألمـ . ـس الأكرة. سألت نفسي: “هل ندمهم دلوقتي هيرجعلي الـ 10 سنين اللي ضاعوا؟ هل هيمسح ذـ . ل طردتي من البيت وأنا عيل عندي 17 سنة؟ هل هيخليني أثق في الناس تاني؟” ​الرد كان قاسي بس مريح: قولت لهم من ورا الباب بصوت هادي وميت: “أنا مسمحكم.. بس مش عايز أعرفكم تاني. أنتم موتم “نوح” القديم من عشر سنين، ونوح اللي واقف قدامكم دلوقتي ملوش عيلة غير الورشة والكلـ . ـب بتاعه والوحدة اللي أنتم رميتوني فيها.”

​أمي قعدت تخبط وتترجى: “يا ابني إحنا دمك ولحمك!” رديت بكلمة واحدة: “الدم اللي أنتم صفيتموه ليلة ما صدقتم الكذبة.. ميرجعش تاني.” ​مريم حاولت تنطق بكلمة “آسفة”، قاطعتها: “أنتي بالذات يا مريم، كذبتك مكنتش مجرد غلطة، دي كانت حكم إعدام عليا.. والحمد لله إني نجيت منه لوحدي.” ​مشوا.. فضلوا يعيطوا ويخبطوا لحد ما يئسوا ومشوا. قعدت على الأرض، وصخر كلـ . ـبي جه تحت رجلي.. لأول مرة من 10 سنين أحس إني حر بجد. ​الحقيقة ظهرت فعلاً، بس الباب فضل مقفول.. لأن فيه كسر في القلب مابيتصلحش بكلمة “آسف”.

​تمت.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى